السيد عبد الأعلى السبزواري

311

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

بحث فلسفي : ذكرنا مرارا أنه قد جرت سنّة اللّه تعالى على إيجاد المسبّبات الماديّة بأسبابها الخاصة بها كلّ صنف بحسبه ، كذلك جرت عادته سبحانه وتعالى في توجيه المسبّبات المعنويّة والروحانيّة بأسبابها الخاصة كلّ صنف بحسبه ، ومن أهم تلك الأسباب أنبياء اللّه تعالى وأولياؤه ، فيفاض بهم على النفوس المستعدّة ما ينتظم به نظام العالم بماديّاته ومعنويّاته نظما دقيقا متقنا ، والكلّ مسخّرات تحت أمره تعالى وصادرة عن إرادته ، وهي تحيط بهم وتخرج منهم ، ولابدع في ذلك بالنسبة إلى من أفنى جميع شؤونه وحيثيّاته فيه عزّ وجلّ ، وتشهد لذلك الأدلّة العقليّة والنقليّة . ثم إنّ هذا العالم الذي نعيش فيه مركب من أمرين ، واقعي معنوي وظاهري صوري ، ولكلّ منهما مدبّر وولي أمر قائم به . والأول : عبارة عن تجلّيات الآخرة في هذا العالم بواسطة الكتب السماويّة والأنبياء والمرسلين والأولياء الصالحين والعلماء العاملين ، والعقل المجرّد المقرّر بالكتب السماويّة . والثاني : عبارة عن تجليّات الدنيا بنفسها لأهلها ، وهي فانية زائلة وإن بلغت ما بلغت في الكمالات الوهميّة والمراتب الخياليّة ، فلا بد في طلب كلّ متاع من الرجوع إلى أهله وإلا بطل الطلب وخسرت الصفقة ، سواء كان الطلب هو العقل المجرّد أم سائر القوى الخادمة له ، والأمران متشابكان ، فلا لبّ إلا ومعه قشر ، ولا قشر إلا وفيه اللب ، واللبيب هو الذي ميّز بين الأمرين فاختار اللب وعدل عن القشر . بحث روائي : في تفسير القمّي : في قوله تعالى : يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ قال عليه السّلام : « اصطفاها مرتين : أما الأولى